mercredi 21 janvier 2009

شبح الأسد






كان شجاعا، جسورا، سليطا، مهابا
فالغاب مملكته، و السّباع خدمه، و الكلّ يخشاه خشية الورق من النّار و النّار من الماء
لم يخرج أبدا إلاّ و انحنوا كلّهم لتحيّته ... فهذا يدعوه للغداء، و ذاك يقدّم له أحد أبنائه قربانا و تلك تبتسم له تقرّبا و استعطافا و آخر يقفز من مكان لآخر محاولة لتسليته و التّرفيه عنه
فأعجب بالوضع، و انغرست في رأسه فكرة السّيادة و صار يتربّص فرائسه من داخل عرينه
كانوا يمرّون أمامه الواحد تلو الآخر و كانت ألسنة اللّهب تتطاير من عينيه
ـ هذه نحيلة لا تشبعني، .... هذا كثير الشّحم قد يصيبني بمرض، ... تلك عجوز و لحمها لم يعد طريّا، .......؛
و فجأة ...!!!!!

ـ..... يا لجمالها و يا لطراوة لحمها .... هذه فريسة يومي

و بسرعة البرق نطّ من عرينه و انقضّ عليها بكلّ شراسة ليمزّق لحمها و يشبع كلّ غرائزه منها
...................................................
و لكن ...........................................؛
...................................................
حصل ما لم يكن في الحسبان ... ؛

لم يتصوّر أن يرقّ قلبه لحال فريسته حين التهامها ..... فدمعت عيناه لرؤية أوّل قطرة دم تسيل من جلدها لحظة غرس نابه السّميك بين أضلعها
نظر إليها بعطف، و كأنّه يطلب معذرتها ... لعق قطرات الدّم السّائلة من جسم فريسته الّتي ابتعدت عنه ببطء و هي تسائل نفسها عمّا أرجأه عن صنيعه .....؛
ابتعدت و هي تنظر إليه بتعجّب و استغراب
التفت خلفه خجلا، فلا يعقل أن يبكي الأسد أمام باقي أهل الغاب

لم يعد لعرينه ليلتها ...؛

عبر المسلك الخلفيّ للغاب و مشى دون أن يلتفت
فهم حينها أنّه ليس بذلك الهزبر الشّديد الباسل كما كان يخاله الجميع، بل هو من فصيلة أخرى تحبّ و تكره، تضحك و تبكي، تفرح و تحزن، تغضب و تسامح
فهم أنّ ذلك الغاب لم يكن يوما مكانه الطّبيعيّ، و أنّه لم يكن أبدا من فصيلة الأسود، بل هو صورة جميلة على ورق سميك ... و لكنّ الورق يبقى ورقا مهما كان سمكه، فالصّورة يمكن أن تأثّر على أهل الغاب لبعض الوقت و لكنّ الورق لن يصمد أمام نيرانهم

عاد إلى صحرائه القاحلة، أين المسافات بعيدة و أين الوقت بطيء و أين لا حياة سوى لبعض الأفاعي و العقارب القليلة
عاد إلى صحرائه و قد كره السّيادة و القرابين و الوحشيّة
عاد إلى حيث يمكن له الهرب ساعة ما شاء،...... فصحرائه صفراء مملّة مظلمة، لكنّها واسعة رحبة، فلا قيود تكبّله و لا كمام تبكمه
لم يعد يحتمل صخب الغاب و أهل الغاب، لم يعد يحتمل الابتسامات الصّفراء الّتي يرمونه بها كلّ صباح، لم يعد يحتمل وشوشاتهم الّتي تصدع أذنيه، لم يعد يحتمل شماتتهم، لم يعد يحتملهم ....؛


Aucun commentaire: